بقلم الباحث اللبنانی فی الدراسات الاسلامیه "تلسيد بلال وهبي"
قال الله سبحانا وتعالى: *إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴿سورة آل عمران: 155﴾*.
*لم* نزل نلتمس رسائل القرآن الكريم والتنبيهات التي تنطوي عليها آياته الكريمة، لا سيما الأحداث التي يعرضها لنا، ومنها معركة أُحُد وما تمخضت عنه من نتائج كانت قاسية على المسلمين، فتأتي الآية الكريمة وما سبقها لتشخِّص لنا ما جرى، ولتغوص في النفوس فتشرِّحها وتقف على نقاط القوة والضعف فيها، لأن ما حدث لم يقع خارجًا عن إرادتهم، بل هم الذين تسببوا فيه، فالإنسان هو الذي يصنع الأحداث الاجتماعية، وله دور كبير في صناعتها.
*الآيات* الكريمة التي سبقت هذه الآية ذكرت الأسباب الحقيقية للنكسة التي حدثت في معركة أُحُد: معصية أوامر الرسول، والتنازع، والوهن، والفرار من الميدان وترك الرسول وقلة ممن بقي معه وحدهم يواجهون المشركين، ثم انهيار الإيمان، والشك في وعد الله تعالى، وانتهاءً بإبعاد المسؤولية عما حدث عنهم وتحميلها للرسول (ص).
*في* هذا السياق جاءت الآية الكريمة لتكشف لنا السبب الأعمق الذي استدعى أن يعصي الرماة أمر الرسول، ويتنازعوا، ويهنوا، ويفروا، وينهار إيمانهم. فكيف تسلّل هذا الانهيار إلى نفوسهم؟
*الآية* الكريمة تركِّز الضوء على أمر في غاية الأهمية، يغفل عنه معظمنا، كأنها هنا جهاز تصوير مقطعي يكشف، ما لا يظهر عمّا بالفحص العادي، لقد كانت هناك معصية قبل الفرار، وذلك حين خالف الرماة أمر الرسول الاعظم(ص) ونزل بعضهم عن مواقعهم طمعًا في الغنيمة، ويبدو أن ذنوبًا ومعاصي قد صدرت منهم قبل ذلك، مما شكل ثغرة مهمة استطاع الشيطان أن يجرهم من خلالها إلى الخيار الذي اختاروه، فترتبت عليه النتيجة القاسية للمعركة.
*ولهذا* كان التعبير القرآني بالغ الدقة: *﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾*. أي أن الشيطان لم يبدأ عمله من الصفر، وإنما وجد فيهم ثغرة صنعوها بأنفسهم، وفي هذا تنبيه لنا إلى أمر خطير جدًا وهو: ليس الشيطان هو من يصنع الثغرات التي ينفذ منها إلينا نحن البشر، بل نحن من يصنعها، أما هو فدوره أن يبحث عنها فينا فإذا وجدها نفذ منها إلينا.
*فالإنسان* حين يعصي لا يرتكب فعلاً ينتهي بانتهاء لحظته، وإنما يؤسس هذا الفعل في نفسه قابلية لمعصية أخرى، وهكذا حتى يعتاد على العصيان، إلا إذا استدرك وأقلع عن المعصية وتاب من قريب. وهكذا يتحول الذنب من حادثة عابرة إلى قابلية جديدة للانحراف. وهذا ما تنبِّه إليه الآية بوضوح: لقد سبق منهم ذنبٌ كسبوه، ثم استغل الشيطان ذلك الكسب ليقودهم إلى زلة أخرى.
*من* هنا نفهم أن الفرار في معركة أُحد لم يكن ظاهرة منفصلة عن المعصية التي سبقته، بل كان أثرًا من آثارها ومسارًا من مساراتها.
*اللافت* في الآية أن الله قال: *(اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ)*. فالاستزلال من الزلل، وهو الانزلاق والانحراف عن الطريق أو الموضع الثابت. فالشيطان لم ينتزع إرادتهم بالقوة، لم يأخذهم إلى ما فعلوه قهرًا، وإنما جرّهم إلى الزلة، واستدرجهم إليها، وأوقعهم فيها مستفيدًا من قابليةٍ كانت قد نشأت في نفوسهم.
*وهنا* تتضح العلاقة الدقيقة بين الذنب ووسوسة الشيطان، سواء أكان من الجِنِّ أم من الإنس، فالإنسان المطيع الذي يجتنب المعاصي والذنوب، لا يكون في مأمن من الشيطان، بل قد يظل الشيطان يطوف حوله ليؤثِّر فيه، ولكنه لا يجد ثغرة ينفذ منها إليه، بينما يجدها عند الشخص العاصي.
*وهكذا* ينحدر الإنسان فيهوي، أو يتسامى فيرتقي، وكلاهما يبدأ بخطوة: المعصية إن لم يتب الإنسان منها تهيئ الأرضية لمعصية ثانية، والثانية تهيئ لمعصية ثالثة والشيطان يجره من هذه إلى تلك، حتى يهوي إلى الدرك الأسفل فيستحوذ الشيطان عليه، والطاعة تهيئ الأرضية لطاعة أخرى، والثانية تهيئ الأرضية لطاعة ثالثة، والله يمد إليه حبله فيستمسك به، فتعرج به الطاعات إلى المقام الأسنى.
*وهكذا* تكشف الآية أن الإنسان لا يسقط غالبًا دفعةً واحد، بل يبدأ الأمر بفكرة يستهين بها، أو رغبة يبررها، أو مخالفة يراها بسيطة، ثم تأتي الظروف لتكشف ما صنعه ذلك كله في نفسه.
*ومن* هنا نفهم لماذا ربط القرآن الفرار بما سبق من الكسب، فالفرار من المعركة وترك الرسول شبه وحيد، لم يكن بسبب الخوف، بل كان بسبب المعاصي التي هي بدورها تسببت بالخوف من مواجهة الأعداء، وبالرغبة في الحصول على الغنائم، أي بحب الدنيا، وحب الدنيا رأس كل خطيئة.
*فهلّا* استفدنا من هذا الدرس، لا سيما أننا نخوض مواجهة تاريخية تحتاج منا اليقين، والطاعة، والقرب من الله، وفعل ما يرضيه، واجتناب ما يُسخطه.
| # | Наименование новости | Тональность | Информативность | Дата публикации |
|---|---|---|---|---|
| 1 | المحنة تكشف مكنون الإنسان | 0 | 10 | 07-10-2026 |
| 2 | الكثير من الهزائم تبدأ من الاهمال والغرور | 0 | 8.86 | 11-10-2026 |
| 3 | المؤمنون يستعيدون توازنهم حتى في أشد لحظات الخوف | 0 | 10 | 06-10-2026 |
| 4 | مَن يصلح عمل المفسدين؟ | 0 | 10 | 10-10-2026 |
| 5 | يومُ الأحزاب لما يأتِ بعدُ(تحالف الجاهليات عودٌ على بدء) | 0 | 10 | 11-10-2026 |
| 6 | معجزات لا تُرى، وقلوب لا تفقه(من مضيق هرمز إلى باب المندب) | 0 | 9.18 | 06-10-2026 |
| 7 | أقنعةُ التديّن وتجارةُ الدرهم والدولار | 0 | 10 | 11-10-2026 |
| 8 | التفكير الإبداعي في إصلاح المجتمع من منظور القرآن | 0 | 8.01 | 11-10-2026 |
| 9 | "Todos los hogares que conocemos han desaparecido": historias de desplazamiento en Líbano | 0 | 10 | 01-01-1970 |
| 10 | Having compassion for oneself is linked to well-being, study finds | 0 | 11.65 | 09-09-2026 |